ابن كثير

144

البداية والنهاية

بلاد خراسان . ولما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين ( 1 ) استنجد بهما لم يحتفلا بأمره ، فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك ، فسار معه خاقان الأعظم ملك الترك ، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان ، فوصل إلى بلخ واسترجعها ، وفر عمال الأحنف إليه إلى مرو الروذ ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول لآخر : إن كان الأمير ذا رأي فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة . فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه ، وكان أمارة النصر والرشد ، وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج ، فقام الأحنف في الناس خطيبا فقال : إنكم قليل وعدوكم كثير ، فلا يهولنكم ، * ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) * [ البقرة : 249 ] فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولا يدري الأحنف أين يذهبون في الليل . فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان ، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز : إن على كل رئيس حقا * أن يخضب الصعدة أو يندقا إن لها شيخا بها ملقى * بسيف أبي حفص الذي تبقى قال : ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه ، فخرج آخر عليه طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبله ، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله وأخذ طوقه ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية . وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطلبه ، ثم الثاني ، ثم الثالث ، ثم يخرجون بعد الثالث . فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث ، فأتوا على فرسانهم مقتلين ، تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير ، وقال لعسكره : قد طال مقامنا وقد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله ، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير ، فانصرفوا بنا . فرجعوا إلى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم ، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم ، وقد كان يزدجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب إلى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كانت دفنها بها ، ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه . وقد قال المسلمون للأحنف : ما ترى في اتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . وقد أصاب الأحنف في ذلك ، فقد جاء في الحديث " اتركوا الترك ما تركوكم " وقد * ( رد الله الذين كفروا

--> ( 1 ) وهما خاقان ملك الترك ، وغوزك ملك الصغد .